ابن كثير
339
البداية والنهاية
ألفي فارس وهم ثلاثة آلاف ، فجرت بينهم حروب ثم كان الظفر له عليهم آخرا ، وذلك في النصف من جمادي الآخرة . ثم عاد بعد ذلك إلى بغداد ومعهم من أعيان رؤوسهم في القيود والأسر جماعة ، وقد فقد من أعيانهم في الوقائع ما ينيف على ألفي رجل من بني سليم ونمير ومرة وكلاب وفزارة وثعلبة وطي وتميم وغيرهم . وفي هذه السنة أصاب الحجيج في رجوعهم عطش شديد حتى بيعت الشربة بالدنانير الكثيرة ، ومات خلق كثير من العطش . وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر . وفيها كانت وفاة الخليفة الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد أبي جعفر هارون الواثق . كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء ، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دؤاد الأيادي المعتزلي . توفي لست بقين من ذي الحجة ، وذلك أنه قوي به الاستسقاء فأقعد في تنور قد أحمي له بحيث يمكنه الجلوس فيه ليسكن وجعه ، فلان عليه بعض الشئ اليسير ، فلما كان من الغد أمر بأن يحمى أكثر من العادة فأجلس فيه ثم أخرج فوضع في محفة فحمل فيها وحوله أمراؤه ووزراؤه وقاضيه ، فمات وهو محمول فيها ، فما شعروا حتى سقط جبينه على المحفة وهو ميت ، فغمض القاضي عينيه بعد سقوط جبينه ، وولي غسله والصلاة عليه ودفنه في قصر الهادي ، عليهما من الله ما يستحقانه . وكان أبيض اللون مشربا حمرة جميل المنظر خبيث القلب حسن الجسم سئ الطوية ، قاتم العين اليسرى ، فيها نكتة بيضاء ، وكان مولده سنة ست وتسعين ومائة بطريق مكة ، فمات وهو ابن ست وثلاثين سنة ، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام ، وقيل سبعة أيام واثنتي عشرة ساعة . فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة . وقد جمع الواثق أصحاب النجوم في زمانه حين اشتدت علته ، وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي ليلحقه إلى بين يدي الله ، فلما جمعهم أمرهم أن ينظروا في مولده وما تقتضيه صناعة النجوم كم تدوم أيام دولته ، فاجتمع عنده من رؤوسهم جماعة منهم الحسن بن سهل والفضل بن إسحاق الهاشمي ، وإسماعيل بن نوبخت . ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلي وسند صاحب محمد بن الهيثم ، وعامة من ينظر في النجوم ، فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم فأجمعوا على أنه يعيش في الخلافة دهرا طويلا ، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا نظر من لم يبصر ، فإنه لم يعش بعد قولهم وتقديرهم إلا عشرة أيام حتى هلك . ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله . قال ابن جرير : وذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده ، وكان أول ما غنى به في ذلك المجلس أن غنته شارية جارية إبراهيم بن المهدي : ما درى الحاملون يوم استقلوا * نعشه للثواء أم للقاء ( 1 )
--> ( 1 ) في الطبري 11 / 25 : للفناء .